مدونتي الأولى
مدونتي الأولى

:: ألوان بقلم جبران

من كتاب الأجنحة المتكسرة لجبران خليل جبران

حواء الأولى أخرجت آدم من الفردوس بإرادتها و انقياده , أما سلمى كرامة فأدخلتني إلى جنة الحب و الطهر بحلاوتها و استعدادي, و لكن ما أصاب الإنسان الأول قد أصابني , و السيف الناري الذي طرده من الفردوس, هو كالسيف الذي أخافني بلمعان حده و أبعدني كرها عن جنة المحبة قبل أن أخالف وصية و قبل أن أذوق طعم ثمار الخير و الشر.

أنتم أيها الناس تذكرون فجر الشبيبة فرحين باسترجاع رسومه متأسفين على انقضائه , أما أنا فأذكره مثلما يذكر الحر المعتق جدران سجنه و ثقل قيوده. أنتم تدعون تلك السنين التي تجيء بين الطفولة و الشباب عهدا ذهبيا يهزأ بمتاعب الدهر و هواجسه و يطير مرفرفا فوق رؤوس المشاغل و الهموم مثلما تجتاز النحلة فوق المستنقعات الخبيثة سائرة نحو البساتين المزهرة , أما أنا فلا أستطيع أن أدعو سني الصبا سوى عهد آلام خفية خرساء كانت تقطن قلبي و تثور كالعواطف في جوانبه و تتكاثر نامية بنموه , و لم تجد منفذا تنصرف منه إلى عالم المعرفة حتى دخل إليه الحب و فتح أبوابه و أنار زواياه . فالحب قد أعتق لساني فتكلمت و مزق أجفاني فبكيت و فتح حنجرتي فتنهدت و شكوت.
إن المرأة التي تمنحها الآلهة جمال النفس مشفوعا بجمال الجسد هي حقيقة ظاهرة غامضة نفهمها بالمحبة و نلمسها بالطهر, و عندما نحاول وصفها بالكلام تختفي عن بصائرنا وراء ضباب الحيرة و الالتباس.
إن النفس الحزينة المتألمة تجد راحة بانضمامها إلى نفس أخرى تماثلها بالشعور وتشاركها بالإحساس مثلما يستأنس الغريب بالغريب في أرض بعيدة عن وطنهما – فالقلوب التي تدنيها أوجاع الكآبة بعضها من بعض لا تفرقها بهجة الأفراح و بهرجتها. فرابطة الحزن أقوى في النفوس من روابط الغبطة و السرور. و الحب الذي تغسله العيون بدموعها يظل طاهرا و جميلا و خالدا.

فكر واحد يجيئك في سكين الليل يسير بك إلى المجد أو إلى الجنون, نظرة واحدة من أطراف أجفان امرأة تجعلك أسعد الناس أو أتعسهم. كلمة واحدة تخرج من بين شفتي رجل تصيرك غنيا بعد الفقر أو فقيرا بعد الغنى.

إن دمعة واحدة تتلمع على وجنة شيخ متجعدة لهي أشد تأثيرا في النفس من كل ما تهرقه أجفان الفتيان.

إن دموع الشباب الغزيرة هي ما يفيض من جوانب القلوب المترعة , أما دموع الشيوخ فهي فضلات العمر تنسكب من الأحداق , هي بقية الحياة في الأجساد الواهنة.

 

الدموع في أجفان الشبيبة كقطرات الندى على أوراق الوردة , أما الدموع على وجنة الشيخوخة فأشبه بأوراق الخريف المصفرة التي تنثرها الرياح و تذريها عندما يقترب شتاء الحياة.

إن رؤساء الدين في الشرق لا يكتفون بما يحصلون عليه أنفسهم من المجد و السؤدد بل يفعلون كل ما في وسعهم ليجعلوا أنسباءهم في مقدمة الشعب و من المستبدين به و المستدرين قواه و أمواله. إن مجد الأمير ينتق بالإرث إلى ابنه البكر بعد موته , أما مجد الرئيس الديني فينتقل بالعدوى إلى الأخوة و أبناء الأخوة في حياته. و هكذا يصبح الأسقف المسيحي و الإمام المسلم و الكاهن البرهمي كأفاعي البحر التي تقبض على الفريسة بمقابض كثيرة و تمتص دماءها بأفواه عديدة.

فتون جعلني أرى الأرض نعيما و العمر حلما جميلا. فكنت أسير صباحا في الحقول و أرى في يقظة الطبيعة رمز الخلود و أجلس عل شاطئ البحر و أسمع من أمواجه أغاني الأبدية , و أمشي في شوارع المدينة و أجد في طلعات العابرين و حركات المشتغلين محاسن الحياة و بهجة العمران.

رأيت تلك البشرة البيضاء التي كانت بالأمس مثل الزنبقة البيضاء الفرحة بقبلات الشمس قد اصفرت و ذبلت و تبرقعت بنقاب القنوط . رأيت الشفتين اللتين كانتا كزهرة أقاح تسيل عليها الحلاوة قد يبستا و صارتا كوردتين مرتجفتين أبقاهما الخريف على طرف الغصن . رأيت العنق الذي كان مرفوعا كعمود العاج قد انحنى إلى الأمام كأنه لم يعد قادرا على حمل ما يجول في تلافيف الرأس.

إن قلب المرأة لا يتغير مع الزمن و لا يتحول مع الفصول قلب المرأة ينازع طويلا ولكنه لا يموت. قلب المرأة يشابه البرية التي يتخذها الإنسان لحروبه و مذابحه , فهو يقتلع أشجارها و يحرق أعشابها و يلطخ صخورها بالدماء و يغرس تربتها بالعظام و الجماجم , و لكنها تبقى هادئة ساكنة مطمئنة و يظل فيها الربيع ربيعا و الخريف خريفا إلى نهاية الدهور.

فقالت: أريدك أن تحبني. أريدك أن تحبني إلى نهاية أيامي . أريدك أن تحبني مثلما يحب الشاعر أفكاره المحزنة. أريدك أن تذكرني مثلما يذكر المسافر حوض ماء هادئ رأى فيه خيال و جهه قبل أن يشرب من مائه.

فأجبتها: سأفعل كل ذلك يا سلمى . سوف أجعل روحي غلافا لروحك , و قلبي بيتا لجمالك , و صدري قبرا لأحزانك.

 

إن الجبال و الأشجار و الأنهار تتبدل هيئاتها و مظاهرها بتقلب الحالات و الأزمنة مثلما تتغير ملامح وجه الإنسان بتغير أفكاره و عواطفه , فشجرة الحور التي تتعالى في النهار كعروس جميلة يلاعب النسيم أثوابها تظهر في المساء كعمود دخان يتصاعد نحو اللاشيء , و الصخر الكبير الذي يجلس عند الظهيرة كجبار قوي يهزأ بعاديات الزمن يبدو في الليل كفقير بائس يفترش الثرى و يلتحف الفضاء. و الساقية التي نراها عند الصباح متلمعة كذوب اللجين و نسمعها مترنمة بأغنية الخلود نخالها في المساء مجرى دموع يتفجر من بين أضلع الوادي و نسمعها تندب و تنوح كالثكلى
تبيد الشعوب بين اللصوص و المحتالين مثلما تفنى القطعان بين أنياب الذئاب و قواطع الجزارين و هكذا تستسلم الامم الشرقية إلى ذوي النفوس المعوجة و الأخلاق الفاسدة فتتراجع إلى الوراء ثم تهبط إلى الحضيض فيمر الدهر و يسحقها بأقدامه مثلما تسحق مطارق الحديد آنية الفخار.

إن النفس الكئيبة تجد راحة بالعزلة و الانفراد فتهجر الناس مثلما يبتعد الغزال الجريح عن سربه و يتوارى في كهفه حتى يبرأ أو يموت.

يضعف القنوط بصيرتنا فلا نرى غير أشباحنا الرهيبة و هكذا يصم اليأس آذاننا فلا نسمع غير طرقات قلوبنا المضطربة.

إن الكتاب و الشعراء يحاولون إدراك حقيقة المرأة و لكنهم للآن لم يفهموا أسرار قلبها و مخبآت صدرها لأنهم ينظرون إليها من وراء نقاب الشهوات فلا يرون غير خطوط جسدها أو يضعونها تحت مكبرات الكره فلا يجدون فيها غير الضعف و الاستسلام.

إن الجامعة البشرية قد استسلمت سبعين قرنا إلى الشرائع الفاسدة فلم تعد قادرة على إدراك معاني النواميس العلوية الأولية الخالدة. و قد تعودت بصيرة الإنسان النظر إلى ضوء الشموع الضئيلة فلم تعد تستطيع أن تحدق إلى نور الشمس.

لقد توارثت الأجيال الأمراض و العاهات النفسية بعضها عن بعض حتى أصبحت عمومية بل صارت من الصفات الملازمة للإنسان فلم يعد الناس ينظرون إليها كعاهات و أمراض بل يعتبرونها كخلال طبيعية نبيلة أنزلها الله على آدم فإذا ما ظهر بينهم فرد خال منها ظنوه ناقصا محروما من الكمالات الروحية.
النفس التي شاهدت وجه الموت لا تذعرها وجوه اللصوص و الجندي الذي رأى السيوف محتبكة فوق رأسه و سواقي الدماء تجري تحت قدميه لا يحفل بالحجارة التي يرشقه بها صبيان الأزقة.
إن من لا تلسعه أفاعي الأيام و تنهشه ذئاب الليالي يظل مغرورا بالأيام و الليالي.
أي بشري يستطيع أن يقيس الزمن ليخبرنا ما إذا كانت الساعة التي تمر بين مجيء الفجر و طلوع الشمس هي أقصر من الدهر الذي يمر بين ظهور الأمم و تواريها؟
العنوان الإلكتروني
الإيميل الإلكتروني

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية